على غير العادة، ظهر الرئيس الجزائري «عبد العزيز بوتفليقة»، مؤخرًا لأكثر من أربع مرات في زيارات وخرجات ميدانية مختلفة، لتدشين مشاريع ثقافية ودينية ومناسبات وطنية، وهو الظهور الذي يصنفه مراقبون في إطار إدارة معركة «إثبات الذّات»، التي لا زال النظام الجزائري لم يحسم فيها الجناح الغالب من الخاسر.

وتعيش الجزائر منذ سنوات على وقع فراغ كبير في السلطة؛ بسبب المرض الذي أصاب الرئيس منذ عام 2012، وعرفت كل هذه الفترة تغييرات هامة على مستوى المؤسسات الأمنية والعسكرية والسياسية، حيث عزل سياسيون كانوا بالأمس القريب رؤساء حكومات ومقربين من الرئيس، في صورة المستشار وزير الدولة «عبد العزيز بلخادم»، ومدير المخابرات الجزائرية «محمد مدين» المدعو بالجنرال «توفيق» وهو الذي عمّر في الجهاز العسكري والأمني منذ عام 1989.

وتعتبر فترة حكم الرئيس الحالي هي الأطول منذ استقلال الجزائر عام 1962، بالرغم من وجود زعماء كبار في وقت سابق حكموا الجزائر، مثل «هواري بومدين»، «الشاذلي بن جديد» و«محمد بوضياف» الذي اغتيل بعد ستة أشهر فقط من تعيينه كرئيس للبلاد عام 1992. ويطرح هذا التقرير خمس أسباب جعلت من بوتفليقة حاكمًا للبلاد منذ عام 1999 إلى غاية اللحظة، بالرغم من المرض والعجز الواضح عن أداء المهام.

رمزية جيل الثورة ومهنة كسر العظام

يعتبر بوتفليقة أحد الرجال المحسوبين على الرئيس الراحل هواري بومدين في الفترة التي حكم فيها البلاد، كما عيّن بعد الاستقلال مباشرة عام 1962 كعضو في أول مجلس تأسيسي وطني، ثم تولّى وزارة الشباب والرياضة والسّياحة وهو في سن الخامسة والعشرين من العمر في حكومة الرئيس الأول «أحمد بن بلة».

وساهم رصيده النضالي مع قادة معركة التحرير، وعلاقته برجال مخابرات الثّورة في الإطاحة بالرئيس بن بلة في 19 يونيو (حزيران) 1965، ليصبح وزيرًا للخارجية وقائدًا للدبلوماسية الجزائرية في حكومة الرئيس الراحل بومدين، واختفى بوتفليقة من المشهد السياسي مباشرة، بعد إسدال الستار على الفترة البومدينية بوفاة مؤسسها عام 1978، وهو ما جعل بوتفليقة يستقر في دول أوروبية وخليجية لعقدين من الزمن، جعلته شخصًا مقبولا لدى الأوساط الأجنبية فيما بعد.

هذا التاريخ الموسوم بالكفاح الثّوري في أدبيات السّلطة، والصراع حول الحكم بعد حقبة بومدين في أدبيات المؤرخين والنّقاد، جعل من الرئيس بوتفليقة رمزًا وطنيًا جامعًا عند استنفاذ كافة الرّموز التاريخية كالرئيس المغتال محمد بوضياف، والمعارض الثوري المهجر بسويسرا «حسين آيت أحمد»، و«عبدالحميد مهري»، الذي رفض مساومات الجنرالات في وقت سابق لاستلام الحكم.

حاول بوتفليقة منذ استلامه السلطة أن يحتوي كافة العصب الموجودة بالنظام الجزائري عن طريق مبادرات سياسية تعتمد على الترغيب والترهيب، فمن جهة أصدر عفوًا شاملًا لكافة المسلحين، وقدم جهدا كبيرًا في بداية حكمه لترسيم الوئام المدني والمصالحة الوطنية، التي تعتبرها المعارضة المتطرفة (ضباط الخارج) قانونًا على المقاس، لحماية الجنرالات المتورطة في العشرية السوداء من المتابعة القانونية الدولية، وهو ما حدث لوزير الدفاع السابق خالد نزار في سويسرا منذ أربع سنوات.

العلاقة مع فرنسا والتوافق الأجنبي

يعتبر الرئيس الجزائري بوتفليقة أحد الرؤساء غير المزعجين للأوساط الغربية، إذ وصفته وزيرة الخارجية الأمريكية «هيلاري كلينتون»، عام 2014 بـ«الرئيس العظيم والحكيم»، في حين تردد عليه كل رؤساء فرنسا في صورة «جاك شيراك»، و«نيكولا ساركوزي»، و«فرانسوا أولاند»، وأشادوا بحكمته في تطوير العلاقات الفرنسية الجزائرية.

«عبد القادر المالي» كما عرف عنه في الوثائق التاريخية، قام بتنازلات اقتصادية لفرنسا عبر توقيع مجموعة من الاتفاقات في هذا الشأن عام 2012، وتجسدت الزيارة بإنقاذ مجموعة من الشركات في صناعة السيارات مثل «رونو «Renault، وشركة «تسيير ترامواي» و«ميترو باريس».

ولم يتوقف الأمر في الجانب الاقتصادي، وانما تعدّى ذلك إلى التعاون العسكري، فقد صرح وزير الخارجية الفرنسي «لوران فابيوس» أثناء العمليات العسكرية شمال مالي، أن الجزائر سمحت للمقاتلات الفرنسية باستخدام الغطاء الجوي الجزائري. كما وصفته مجلة «jeune Afrique» في تقريرها تحت عنوان «بوتفليقة وفرنسا» بالشخصية النافذة وذات القوة المتينة بالقوة الاستعمارية الأولى بإفريقيا.

ويعتبر بوتفليقة أول رئيس جزائري يلقي خطابًا بالجمعية الوطنية الفرنسية سنة 2000، وأورد تقرير للمجلة الفرنسية المتخصصة في الشؤون الإفريقية «jeune Afrique» استقباله للمسؤولين الفرنسيين في إقامته بغرب العاصمة مازحًا إياهم «أنا فرنسي!» وهو ما يعكس العلاقة المتينة للرئيس بوتفليقة بالأوساط الفرنسية، واستثماره للعلاقات جيدًا عندما كان وزيرًا للخارجية بعد الاستقلال.

وبالرغم من هذه العلاقة المميزة، حسب وسائل الإعلام الفرنسية، فقد سخرت هذه الأخيرة من مرض الرئيس في أكثر من مرة، عند بث برنامج «Le petit journal» الذي يذاع على قناة «كنال بلاس» الفرنسية، وتشير بعض المصادر أن بوتفليقة ردّ على السلطات الفرنسية عام 1999 حين أبدت قلقها من انسحاب المرشحين الستة من سباق الانتخابات، حيث قال «لا نقبل الانتداب ولا الحماية الفرنسية، هذا تدخل في الشؤون الداخلية واستقلال محدود، لا نقبل بهذا مطلقًا».

عبقرية التفكيك والتهميش والتسطيح

قام بوتفليقة منذ وصوله إلى سدة الحكم على بناء مشاريع سياسية وإعلامية تجعل من المواطن يرتبط بشخصه دون المؤسسة، ويقوم على خدمة «كاريزما» الرئيس على حساب هيبة مؤسسات الدولة، ومن قراراته الأولى كرئيس منتخب، عزله لرئيس الحكومة آنذاك «أحمد بن بيتور»، بعد الاتفاق على أسلوب العمل الحكومي وطمأنة هذا الأخير بالاستمرار في رئاسة الحكومة، لكن مصادر إعلامية محلية أكدّت أن الرئيس الجديد انقلب على المسؤول المباشر عن الحكومة بعد اللقاء مباشرة.

بوتفليقة لم يتوقف عند عزل كل من يعارضه مثلما فعل مع رئيس حكومته كذلك «علي بن فليس» عام 2003، بل اتجه غربًا إلى مسقط رأسه؛ ليمارس التفكيك الجهوي بتعيينه ثلث وزراء الحكومة من الولاية التي ينحدر منها تلمسان، وهو ما اعتبر سابقة خطيرة في التاريخ الحديث للجزائر، وإشارة واضحة للجهوية المعتمدة من قبل الرئيس في تهميش باقي جهات الوطن.

الرئيس الذي يعاني من المرض الذي أصابه أول مرة عام 2005، شهدت فترته انشطارات وانشقاقات واسعة في معظم الأحزاب الجزائرية، وظهور ما يُسمّى حزبيًا بالتصحيحيات التي ساهمت في ضعف الأداء الحزبي، فالتيار الوطني تعددت واجهاته الحزبية لأكثر من عشرين حزبًا بزعامة جبهة التحرير الوطني، وانقسم التيار الإسلامي لأكثر من عشر أحزاب بزعامة حركة مجتمع السلم التي لازالت تخاصم شقيقاتها الصغرى حول هوية وارث «الشيخ نحناح»، في حين انقسم التيار العلماني لأحزاب من أقصى اليمين الموالي إلى أقصى اليسار المتطرف.

وحتى يتحكم في زمام الحكم جيدًا عمل بوتفليقة على تقوية جهاز الأمن والشرطة، بعدما كان ضعيفًا في وقت سابق مقارنة بالمؤسسة العسكرية والمخابراتية، هذه الأخيرة نصبّت رؤساء وأطاحت بآخرين بالعزل والاغتيال، باعتراف مسؤولين سياسيين بأنفسهم كالأمين العام للحزب الحاكم «عمّار سعداني»، في حين برزت مجموعة رجال المال والأعمال تقوم بإعداد قانون المالية السّنوي للدولة في السنوات الأخيرة، وهو ما اعتبره البعض انتقالًا من دولة العسكرية إلى دولة المال والأعمال.

ولم تعرف مؤسسات مدنية عريقة وشخصيات تاريخية ذات وزن كبير، المكانة اللازمة لها خلال فترة حكم بوتفليقة للجزائر، ووصف رئيس جمعية العلماء المسلمين الراحل الشيخ «عبد الرحمن شيبان» فترة حكم بوتفليقة بأنها الأسوأ في تاريخ الجزائر، كما ساهم الرئيس في نشر اللامسؤولية في دواليب إدارة الدولة بتطبيق قاعدة الفساد للجميع ومن الجميع، وكذلك من خلال تفويض حكومة غير منتخبة لإدارة الشؤون العامة وتهميش ورقة الانتخاب، التي ساهمت في مقاطعة جزء كبير من الشعب للاستحقاقات الانتخابية، والتي قوّت القوي وأضعفت الضعيف.

هذا التفكيك الذي أصاب الهيئات والنقابات السياسية والنضالية، بثّ في السّاحة اليأس، وأصابها بالتصحر النخبوي والقيادي على مستوى المؤسسات والأفراد، وهو ما مكّن الرئيس بوتفليقة من الاستفراد بالساحة وتفكيك ألغام المؤسسات القضائية والإدارية والأمنية والعسكرية، والترويج لخطاب أنه «لا يوجد بديل أفضل من بوتفليقة في الوقت الحالي» مع كل محطة انتخابية، وهي سياسة آتت أكلها فعلًا مع الزمن، حيث نجح في تعديل دستور 2008 واستفرد بالحكم أمام الملايين من المقاطعين للانتخابات وغير الراضين عن الواقع من داخل السلطة وخارجها، فلماذا يخاف الشعب الجزائري من الإطاحة ببوتفليقة؟

العشرية السوداء، رفعت بوتفليقة وحطّت من «السّاسة»

من الطبيعي جدًا أن العشرية السوداء، التي مرت بها الجزائر، وراح ضحيتها أكثر من 200 ألف جزائري وجزائرية، جعلت من بوتفليقة بطل قومي في نظر الملايين مع دخول الالفية الجديدة، سنوات الجمر التي ارتبطت صورتها بمشاهد الذبح والتقتيل والتفجيرات والتطرف الديني والانفلات الأمني، جعلت جموع الجزائريين يبصمون على مشاريع الرئيس الجديد كالوئام المني والمصالحة الوطنية بالعشرة حيث البحث عن الامن والاستقرار.

سنوات صعبة ومعقدة، نقلت الجزائريين من الاحتفال بالتعددية الحزبية والإعلامية إلى «الكفر» بالسياسة والسياسيين في معظمهم، بالرغم من فقه المواطن للعلاقة الوطيدة بين السياسة وخدمة الشأن العام، وما تحقق لبوتفليقة من اجماع وطني داخل السلطة وخارجها في المجتمع المدني بدعم كبير من أكبر ثلاث أحزاب في البلاد، جبهة التحرير الوطني «FLN»، التجمع الوطني الديمقراطي «RND» وحركة مجتمع السلم «حمس»، لم يتحقق لأي شخصية طوال 13 سنة من الحكم والسيطرة.

فالفترة التي قضاها الجزائريون تحت ما يسمى بالأزمة الأمنية، والانقلاب العسكري على نتائج تشريعيات يناير (كانون الثاني) 1992، جعلتهم يطلبون الأمن والاستقرار مقابل الصمت تجاه ملفات فساد ثقيلة في عدد من مؤسسات وشخصيات قوية داخل دواليب الحكم، ولذلك اتجهت موجات الربيع العربي لأكثر من دولة عربية دون الجزائر، التي انتظر الكثير من المراقبين انطلاق شرارتها دون جدوى، وهو ما يجعل النظام الجزائري نموذجًا لبقية السلطات الحاكمة في المنطقة.

فالعشرية السوداء غيّرت من سلوك الجزائريين تجاه الخوض في الشأن العام، ونظرتهم في ملفات السياسة ومشاركتهم بالانتخابات التي تعتبر ضئيلة جدًا، وهذا السلوك ساهم في إضعاف المؤسسات وقرارات الدولة وعدد من المجالس المحلية والوطنية المنتخبة، بالإضافة إلى فقدان الثقة بين الحاكم والمحكوم، وهو ما جعل الأحزاب والنقابات في تراجع مستمر منذ سنوات.

البترول رفع من رصيد ابن «وجدة»

مع تقلد بوتفليقة الحكم في الجزائر، عرفت أسعار البترول والغاز ارتفاعًا ملحوظًا جعل الجزائر إحدى البلدان التي تزخر بموارد مالية مريحة، فعام 1999 عرف سعر البرميل انخفاضًا كبيرًا في حدود 19 دولار فقط، في حين ارتفع عام 2005 الى 39 دولار، إلى أن ارتفع بشكل جنوني عام 2012 ووصل إلى 130 دولار للبرميل، وهو ما صنع عصرًا ذهبيًا للموازنات المالية الجزائرية من خلال تدشين جزء من المشاريع كالطريق السيار وتجديد مطار الجزائري الدولي وبناء عشرات السدود، بالإضافة إلى التخلص من المديونية الخارجية.

هذا الارتفاع في الأسعار، والذي خلق ثروة مالية صاحبت العهدة الأولى والثانية والثالثة للرئيس، جعلت الحكومات المتعاقبة تنتهج سياسة السلم الاجتماعي، وتم إطفاء كافة الاحتجاجات الاجتماعية بتوزيع الموارد المالية عبر قروض للشباب، هؤلاء الشباب تورط معظمهم في إنشاء شركات غير ناجحة، ولم يتمكنوا من تسديد القروض، وغالبيتهم مهددون بالسجن.

الارتفاع في الأسعار، كذلك ساهم في تدعيم هذه السياسة التي تقوم على مجانية العلاج والتعليم، دعم المواد الغذائية واسعة الاستهلاك، التحويلات الاجتماعية، وتدعيم المشاريع السكنية والاقتصادية. وهو ما رفع أسهم السلطة في حين ساهم في إضعاف المعارضة التي لم تتمكن من تقديم برنامج ملموس يمكنّها من مواجهة خيارات الحكومة.

وبالرغم من البداية الجيدة من ناحية التعافي الاقتصادي والمالي للجزائر، تعيش الجزائر خلال الفترة الأخيرة صعوبات اقتصادية، دفعتها إلى اقتراض 900 مليون أورو من البنك الإفريقي للتنمية، حسب ما نشره الموقع الرسمي للمؤسسة الإفريقية، وهو ما يعتبر مخرجًا ضيقًا للرئيس بوتفليقة، بالنظر لحجم الإنفاق المالي الذي تعدّى ألف مليار دولار خلال 17 سنة من الحكم.

المصدر

تعليقات