يبدو أن الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب لن يجد سهولة في حكم أمريكا وتنفيذ سياسته الداخلية والخارجية التي قدّمها في حملته الانتخابية وأنتخبه على أساسها “كبارُ الناخبين” رئيسا لأكبر دولة في العالم؛ فقد اجتاحت المظاهرات 30 ولاية احتجاجاً على انتخابه، وظهرت حركة سياسية سلمية في ولاية كاليفورنيا تدعو إلى انفصالها عن أمريكا في استفتاءٍ اقترحت إجراءه في خريف 2019، على غرار استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

اللافت في بيان حركة “نعم كاليفورنيا” الانفصالية الجديدة، ليس حديثها عن “حجم الأموال المُهدَرة على دعم الاقتصاد الأمريكي من قبل ولاية كاليفورنيا” باعتبار أن اقتصادها المتطوّر يحتل المرتبة السادسة عالمياً ويسبق اقتصاد فرنسا نفسها، ولا سيطرة أمريكا على 46 بالمائة من ثرواتها التعدينية، بل اللافت هو استهجانها لطريقة انتخاب الرئيس الأمريكي؛ فالمعروف أن هذه المَهمّة يتكفّل بها “كبارُ الناخبين” كما يُسمُّون، والذين لا يتجاوز عددُهم 538 ناخب فقط، لكن أصواتهم هي الحاسمة في اختيار الرئيس وليس أصوات الأغلبية الشعبية؛ أي أن أصوات 200 مليون أمريكي لا أهمية لها إطلاقا أمام 270 أمريكي فقط يشكلون “أغلبية كبار الناخبين”، فقد يختار الشعبُ الأمريكي مرشحا، لكن 270 من “كبار الناخبين” يختارون خصمَه، ويكون اختيارُهم نافذا، وفي هذا مصادرة واضحة وسافرة لإرادة الشعب من طرف الإدارة الأمريكية التي طالما تغنّت بنشر الديمقراطية في الوطن العربي وغزت دولا وأسقطت أنظمتها باستعمال هذه الذريعة، فإذا بها تمارس على شعبها وصاية أبشع بكثير من وصاية الأنظمة العربية الاستبدادية على شعوبها، علماً أن هناك أزيد من 700 اقتراح لتعديل الدستور الأمريكي ومنح الشعب الأمريكي وحده حق اختيار رئيسه في اقتراع مباشر، لكنها لم تحظَ بموافقة الإدارات الأمريكية المتعاقِبة، ولذلك استهجنت ولاية كاليفورنيا وصاية “كبار الناخبين” على الشعب وتساءلت: ما جدوى بقاء كاليفورنيا تابعة للولايات المتحدة ومواطنوها لم يساهموا في اختيار رؤساء أمريكا منذ عام 1876؟! لماذا نُخضِع أنفسَنا لرؤساء لم نلعب أيّ دور في اختيارهم؟!

أمرٌ آخر بالغ الأهمِّية أثارته حركة “نعم كاليفورنيا”، وهو السياسة الأمريكية الخارجية القائمة على الحروب؛ فقد عارضت الحركة صراحة الاستمرار في تمويل حروب أمريكا المكلّفة، وإرسال أبناء كاليفورنيا إلى الخارج للقتال، وقالت إن ذلك يعرّضهم للموت، فضلا عن تعريض الولاية نفسها لأعمال انتقامية، في إشارة إلى عمليات “داعش” وقبلها “القاعدة” في أمريكا، ولذلك تريد الانفصال عن أمريكا لتحقيق الأمن والسلام.

ومعنى هذا أن الأمريكيين بدأوا ينتفضون ضد السياسات العدوانية التي تنتهجها إدارتُهم منذ سنواتٍ طويلة ضد العرب والمسلمين، والقائمة على غزو بلدانهم وتدميرها وتفكيك مجتمعاتهم والزجّ بها في حروب عرقية وطائفية تمهيدا لتقسيم أوطانهم للإبقاء على التفوّق الساحق للكيان الصهيوني، وقد سمعنا مسؤولين أمريكيين عديدين يتحدثون في السنوات الأخيرة عن فدْرَلة العراق وسوريا وحتى ليبيا.

اليوم يبدو أن كيد الساحر بدأ يرتدّ عليه، فقد تتعرّض أمريكا نفسها إلى التفكّك على يد أبنائها، والبداية بكاليفورنيا في 2019 ثم ولايات أخرى، وحتى إذا انفصلت كاليفورنيا وحدها فسيشكِّل ذلك ضربة موجعة جدا للإمبراطورية الأمريكية الضخمة بالنظر إلى أنها ثالث ولاية أمريكية من حيث المساحة وتشكّل ثلثَ اقتصادها.

المصدر

تعليقات