أن يُصدِر المرحوم آيت أحمد أو مقري أو جيلالي سفيان أو أي معارض آخر تصريحا ناريا يقول فيه إن هناك مائة ألف من مزدوجي الجنسية اكتسبوا أموالهم بطرق غير مشروعة، ولهم عقارات في الجزائر وأخرى بباريس واسبانيا حضّروها كـ”ملاجئ خلفية” لهم، فهذا أمرٌ عادي، أما أن يصدر من وزير الدولة ومدير ديوان الرئاسة أحمد أويحيى، فهذا ما يثير الاستغراب والذهول!

تصريح أويحيى يؤكد أن الفساد قد تغوّل إلى درجة خروجه عن سيطرة الدولة، وهو أمرٌ طالما نبّهت إليه المعارضة منذ سنوات طويلة وهي ترى الفساد “ينمو” باضطراد في ظل تقاعس الدولة عن محاربته بالجدية اللازمة والاكتفاء تارة بإنشاء “مراصد” مثيرة للسُّخرية للوقاية من الفساد ومكافحته، وتارة أخرى بتقديم مسؤولين صغار إلى المحاكم ككباش فداء في قضايا عادة ما يُتّهم فيها مسؤولون أعلى منهم، ولكنهم لا يحاكَمون. ولذلك تغوّل الفسادُ وأصبحت الجزائر تحتلّ كل سنة مرتبة “متقدّمة” في قائمة منظمة شفافية دولية للدول الأكثر فسادا، وتحصُل على نقاط متدنّية تؤكد أنها غير جدّية في مكافحته.

وعوض أن تقوم الدولة بدورها في مكافحة الآفة عبر تحريك جهاز العدالة ومختلف أجهزة الرقابة، يكتفي أويحيى بمناشدة “40 مليون جزائري، والذين لا وطن لهم غير الجزائر، التحلي باليقظة لحماية الجزائر من أولئك المرتزقة والمخرِّبين؟!” كما وصفهم.. أليس هذا لغة خشب؟ ماذا بإمكان المواطنين البسطاء أن يفعلوا لمحاربة المفسدين المتغلغلين في مختلف دواليب الدولة وحماية الجزائر منهم؟ هل هذه مَهمّتهم أم مَهمّة العدالة وأجهزة الرقابة على المال العام وقمع الفساد؟ هل تكترث أصلاً الجهاتُ الرسمية المعنية بتبليغات بعض المواطنين عن قضايا فساد؟

إذا كان هؤلاء الذين “يخرّبون الجزائر بأفعالهم” قد حضَّروا لأنفسهم “ملاجئ خلفية بالخارج” ليلتجئوا إليها رفقة عائلاتهم في حال وصول “الربيع العربي” إلى البلاد، فإن عدم جدِّية الدولة في مكافحة الفساد قد ساعدتهم على الاستمرار في نهب مقدراتها المالية وتفويت فرص ثمينة على الاقتصاد الوطني لإحداث الإقلاع المطلوب، وما دامت الجزائر تشكِّل مصدر ريع كبير لهم، فلن يتركوها إلا إذا كانت هناك مكافحة جدِّية للفساد وضُيّق عليهم الخناق وسادت الشفافية وأصبحت العدالة والبرلمان وغيرها من هيئات الرقابة على المال العام ومكافحة الفساد تقوم بدورها بفعالية تامّة، وهو أمرٌ يتعذّر تحقيقُه في ظل سيطرة النظام الأحادي الشمولي الفاسد على الحكم ومنعه أيّ تغيير ديمقراطي حقيقي.

الديمقراطية الحقيقية هي صِنوُ الشفافيةِ والرقابةِ الفعّالة على المال العام والعدالةِ المستقلة القوية، والشمولية هي صِنوُ الفساد والإفلات من العقاب، ولذلك عادة ما تتصدّر الدولُ الديمقراطية الغربية قائمة شفافية دولية كأكثر الدول نزاهة، وتتذيّلها الدولُ الاستبدادية وفي مقدمتها الدول العربية والإسلامية وتُصنَّف كأكثر الدول فساداً، ولا أمل في مكافحة جدّية للفساد في أيّ بلد دون أن ينتهي احتكار الحكم وتسود الديمقراطية الحقيقية والفصلُ بين السلطات ويُسمح للشعب بممارسة الرقابة على ماله عبر الهيئات التي ينتخبها بكل حريةٍ وشفافية.

المصدر

تعليقات