ملمع الأظافر.. ألوان عاكسة للضوء.. هواتف نقالة وأجهزة تشويش وكواشف متطوِّرة.. لافتاتٌ مغشوشة.. تحية قبعة وإشارات تنبيه للتضامن، هي من بين الحيل التي يهتدي إليها الكثير من الجزائريين من “عشاق السرعة”، للإفلات من الرادارات الأمنية، خاصة على مستوى الطريق السيار ”شرق ـ غرب”، الذي تحوَّل إلى ”رالي سباق”، ومع كل هذا فإن لرجال الدرك حيلهم، ولرادار “غاستو” مفعوله.

الرادار.. جهازٌ يستحق الاحترام.. بل هو ما يفرض علينا جميعا احترامه، لا لكونه عين المرور التي ترصد أخطاءنا على الطرقات فحسب.. بل لأنه مساعدٌ حقيقي لجميع السائقين في تصحيح أساليب قيادتهم لمركباتهم بالصورة التي تضمن لهم العبور الآمن.. فإذا كانت الإشارات الضوئية هي ما يحدد لنا متى ننطلق إلى مساراتنا، ومتى نتوقف لنتيح للآخرين السير إلى مقاصدهم المختلفة، فالرادار هو الرقيب المحافظ على حياة السائقين.. هي حقائق سمعناها من رجال الدرك الذين يسهرون 24 ساعة على 24 ساعة من أجل سلامة مستعملي الطريق طيلة يوم كامل قضيناه رفقة هؤلاء، سواء داخل السيارات المموّهة أم الرسمية المزوّدة بهذه الأجهزة المتطوِّرة.

جنونٌ وتهوُّر وتحد للقانون..

undefined

رحلتنا بدأت من قيادة الدرك الوطني، التي رخصت لنا الولوج إلى عالم لا تصادف فيه إلى تهورا وقلقا وجنونا وتحديا للقانون من طرف عدد لا يستهان به من السائقين المتهورين الذين يتذرعون بعلل وحجج واهية للهروب والإفلات من عقوبة سحب رخصة السياقة ودفع “البروسي”، بعد أن استقبَلنا العقيد محمد تريكي مدير الوحدات المشكلة والعقيد مولود قماط رئيس قسم أمن الطرقات بقيادة الدرك الوطني رفقة عدد من الضباط المختصين في أمن الطرقات.

وبعد أن تلقينا شروحا نظرية بخصوص عمل الردارات، انتقلنا مباشرة إلى الجانب التطبيقي والميدان، حيث توجهنا إلى أكبر سرايا أمن الطرقات بإقليم عاصمة البلاد المعروفة بالصرامة وهي سرية أمن الطرقات بالجزائر “الحراش”، وعندما تسأل عن أعوان أمن هذه السرية فإنك لا تسمع إلا كلمة يا “لطيف”، نظرا إلى كونهم معروفين بالصرامة الأمنية في تطبيق قانون المرور ويتميزون بالتنسيق الأمني المحكم واحترافية عالية في رصد المخالفات، واستقبلنا قائدُ هذه السرية الذي كلف نائبه وعددا من الدركيين بمرافقتنا، ومن هنا بدأت رحلتنا.

10 سيارات في 3 دقائق

undefined

خرجنا من مقرِّ سرية أمن الطرقات للحراش بعد أن قام قائد السرية بتحديد خصوصيات نطاق العمل لذلك اليوم، وإطلاع أفراده الذين كانوا على أهبة الاستعداد للخروج في مهتهم لترصد المتجاوزين عبر الطرقات عن طريق الرادارات، امتطينا سيارة مدنية مموهة من نوع “غولف صنف 5” بيضاء اللون مزودة بأحدث الرادارات التي اقتنت منها قيادة الدرك الوطني أزيد من 500 وحدة، وهو رادار “GASTO”، وكانت وجهتنا الأولى رفقة النقيب قدُّور بن عسلة والرقيب الأول محمد رحموني، الطريق السريع الرابط بين براقي وزميرلي في اتجاه وسط العاصمة، حيث رُكنت السيارة المزودة بالرادار، وفي ظرف لم يتعد 3 دقائق تمكن هذا الجهاز من رصد 10 سيارات كانت تسير بسرعة فاقت 100 كلم/ سا مع أن اللافتة كانت تشير إلى 80 كلم/ سا، بالرغم من أن الرادار، حسب ما شرح لنا الرقيب رحموني، مضبوط على سرعة 90 كلم/ سا أي بزيادة تقدر بـ10 وهي النسبة التي يطلق عليها عند رجال الدرك “الارتجاج”.

الأعوان كانوا يرسلون السيارات المخالِفة التي رصدها الرادار إلى النقطة الثابتة، وبمجرد أن وصلنا إلى عين المكان تبيَّن لنا أن أصحاب هذه المرْكبات كجميع السائقين يتذرَّعون بعلل وحجج واهية، أحدهم يقول: “من فضلكم، عندي مريض في المستشفى وهو بين الحياة والموت”.. وآخر: “لديَّ ملف طبي كامل يُثبت إصابتي بالسكري.. أنا مثل والدك.. أتوسَّل إليكم لا تقطعوا رزقي.. والله عندي جنازة.. عندي امتحان”.. إلا أن كل هذه التوسلات والتبريرات والبكاء لم يمنع الدركيين من التطبيق الصارم للقانون.

معزة ولو طارت

undefined

من الغرائب التي وقفنا عليها خلال إنجازنا هذا الروبورتاج، أن شابا رُصدت سيارته من نوع “تويوتا ياريس” سوداء اللون بواسطة رادار “غاستو”، وكان يسير بسرعةٍ جنونية ولا يريد الاعتراف بأنه قام بذلك، وبمجرد أن قام الدركي بإظهار الشاشة المرتبطة بالرادار وفيها سيارته ولوحة ترقيمها بدأ يصرخ: “لا.. لا.. أنا أعرف القانون، هذه السيارة ليست لي، الصورة مفبركة”. ليرد عليه الدركي بهدوء: “هذه تكنولوجيا حديثة ولا يمكن أن تخطئ”، إلا أن الشاب بدأ بالصراخ وعلامات الغضب بادية على وجهه وكأنه على حق..

ومن جهة أخرى، تهجّم أحد الكهول، وهو مغترب ينحدر من ولاية تيزي وزو، قام بكراء سيارة بالجزائر العاصمة ورصد الرادار سيارته التي كانت تسير بسرعة فاقت 100 كلم/ سا، على الدركي بعد أن طلب منه وثائقه، إذ قال له بالفرنسية: “أنا لا أفهم اللغة العربية، ورخصة سياقتي فرنسية وموعد رحلتي غدا في الساعة التاسعة صباحا”، ليرد عليه الدركي: “لكنك قمت بمخالفة”، ليرد عليه الكهل: “لا أظن ذلك”، قبل أن يطلب العفو ويتوسّل بذريعة أن ظرفه “طارئ”.

تحية قبعة.. و”كو د فار”

undefined

بالرغم من الردارات المتطورة التي يستعملها رجال الدرك خلال القيام بمهام المراقبة لرصد التجاوزات التي يرتكبها “عشاق السرعة”، إلا أن هؤلاء ابتكروا أساليب جديدة للإفلات بصفةٍ جماعية من العقوبة المفروضة في هذه الحالة من باب التضامن فيما بينهم، إذ لجأ بعض مستعملي الطرقات وفي مقدِّمتهم سائقو النقل العمومي والشاحنات الكبيرة، فضلا عن سائقي المسافات الطويلة، إلى استعمال بعض الإشارات والحركات لإخطار السائقين القادمين من الرواق الموازي بوجود أجهزة رادار على مسافة قصيرة من مكان تجاوزهم، على غرار استعمال سلسلة من الإشارات الضوئية المتتالية أو ما يعرف بـ”كودفار” في وضح النهار للفت انتباه السائق القادم في الاتجاه المعاكس وتحذيره من وجود حاجز أمني في انتظاره ليُخفض من حدة سرعته قبل الوصول إلى مكان وجود الرادار المتنقل الذي غالبا ما يكون على متن سيارة مركونة وسط الأشجار أو في أي مكان مختبئ.

كما تعتمد فئة أخرى من السائقين على بعض الإشارات والحركات الجسدية التي يقومون بها أثناء القيادة، على غرار وضع اليد على مستوى الجبهة بشكل تحية أو قبعة، في إشارة إلى قبعات الزي الرسمي لأعوان الشرطة أو الدرك الوطني الذين يوجدون غير بعيد عن مكان التقاء المركبتين.

أجهزة تشويش وألوان عاكسة وملمع شفاه

undefined

وأمام تشديد أعوان الدرك العقوبات على عشاق السرعة المفرطة، لجأ البعض الآخر من السائقين ومستعملي الطرقات إلى استعمال الأجهزة ”المشوشة” أو الكاشفة عن الرادار وغيرها من الأجهزة المنبِّهة أو التي تعيق عمل الرادار فيما لجأ البعض الآخر إلى ابتكار أساليب خاصَّة لتفادي الوقوع في قبضة رادار على غرار استخدام لون أبيض عاكس للضوء لطلاء مساحة لوحة الترقيم الأمامية للسيارة، حيث يعمل هذا الطلاء على عكس ومضة ”فلاش” آلة تصوير الرادار أثناء التقاط الصورة، بما يمنع تشفيرَ الأرقام الموجودة على لوحة الترقيم التي تبدو عبارة عن خانة بيضاء، وهي نفس النتيجة التي يهدف إلى تحقيقها البعض من السواق عن طريق طلي أرقام لوحة الترقيم باستعمال ملمِّع الشفاه أو الأظافر، إلى جانب لجوء البعض إلى استنساخ لوحات ترقيم صغيرة الحجم أو تحمل أرقاما متلاصقة وصغيرة، حيث يستحيل تحديدها بالتدقيق نظرا إلى المسافة الكبيرة التي تفصل الرادار عن المركبة عند التقاط الصورة، خاصة عندما تكون هذه الأخيرة تسير بسرعة فائقة، لكن هذه الحيل كانت ناجحة قبل أن تدخل رادارات “غاستو” المتطورة حيز التنفيذ في الـ2015 التي بإمكانها إبطال مفعول كل هذه الحيل.

مفعولٌ سحري لـ”غاستو”

وبرغم كل الحيل المستعمَلة، فإن جهاز الرادار يتمكَّن من كشف كل المعلومات المتعلقة بالسيارة ولوحة ترقيمها وكذا سرعتها، وفي هذا الإطار، أوضح النقيب قدُّور بن عسلة نائب قائد سرية أمن الطرقات الحراش، أن لوحة ترقيم السيارة وكذا السرعة التي يمشي بها السائق تظهر على الجهاز على بعد 3 كلم، كما أضاف أنه رغم هذه الحيل التي يستعملها البعض، فإن الرادار يمكنه التقاط سرعة وصورة السيارات التي على لوحة ترقيمها مادة ملمعة أو التي تحمل لوحات ترقيم مصنوعة من الشريط اللاصق ”أوتو كولون”، مشيرا إلى أن رادارات الدرك بها كاميرات خلفية وأمامية، تسهل العمل وتسمح بالتعقب الجيد للمُفرطين في السرعة، وأن كل من يتجاوز 120 كلم تسحب منهم رخصة السياقة مباشرة، أما من يحاولون الفرار، فيتم الإبلاغ عنهم، وعند توقيفهم يتم تحويلهم إلى العدالة.

العقيد محمد تريكي:

قيادة الدرك ستحارب عشاق السرعة مهما تطوَّرت حيلهم

أكّد العقيد محمد تريكي مدير الوحدات المشكلة بقيادة الدرك الوطني في لقاء مع “الشروق”، أن قيادة الدرك ستواصل تركيزها على استغلال التكنولوجيات الحديثة في مجال مكافحة الأمن المروري وهذا بالتنسيق مع كل الفاعلين في الميدان، وستواصل الجهود في مجابهة المخالفة الأكثر تسبُّبا لحوادث المرور وهي السرعة، بانتشار مدروس لأجهزة قياس السرعة والكشف عن المركبات المسروقة والكشف عن الكحول، بالإضافة إلى استعمال أجهزة الوزن لمجابهة الحمولة الزائدة التي عادة ما تنجرُّ عنها خسائر معتبرة كلفت الدولة ميزانية كبيرة.

وأوضح تريكي أنه إضافة إلى أزيد من 500 رادار ثابت، اقتنت قيادة الدرك الوطني 571 رادار يعمل بالتقنية المتنقلة، هذه الرادارات قادرة على رصد حركات السيارات في الاتجاهين، تعمل في ظروف النهار كما في الليل، وترصد الحركة والثبات، كم أنها تعمل في الظروف الجوية الأخرى، وقادرة على قراءة كل لوحات الترقيم المستعملة على المستوى الوطني، ويمكن إضافة أي تطبيقة لها تتعلق بالبحث عن المركبات أو قراءة لوحات الترقيم بلغات أخرى على غرار اللغة العربية.

وأضاف المسؤول ذاته أن وحدات الدرك الوطني تستعمل هذه الرادارات في مجال مراقبة الإقليم بتصوير مقاطع فيديو لمحاور الحركة، سواء التجمعات السكانية أو على حوافّ الطرقات أو المشاريع المجاورة لمحاور التنقل، كما يتم برمجة المحاور السوداء وعدد حوادث المرور، موضِّحا أن وحدات الدرك الوطني تختار توقيت الاستعمال بناء على الحاجة العملياتية أو الهدف المرجوّ، وتعمل دوريات الرادار 24 على 24 ساعة على مركبات بألوان السلاح أو المموهة على مستوى أهم المحاور الكبرى، أما المحاور الثانوية فيتم زج الرادارات الثابتة.

وفي رده عن السؤال المتعلق بالأجهزة الخاصة بكشف المركبات المبحوث عنها، أكد العقيد أنه يتم تخزين كل المعطيات المتعلقة بالمركبات المسروقة والمبحوث عنها في قاعدة المعطيات للرادار وتلقائيا يتم التعرف عليها.

العقيد مولود قماط:

undefined

الرادار رصد نصف مليون مخالفة والدرك في مواجهة المتهورين

كشف العقيد مولود قماط، رئيس قسم أمن الطرقات بقيادة الدرك الوطني، عن حصيلة ثقيلة لعمل الرادار، حيث تم تسجيل 443 ألف و363 مخالفة، فيما تم إخضاع قرابة مليون ونصف مليون مرْكبة للتعريف، أغلبيتها تم عن طريق الرادار.

وبلغة الأرقام يقول العقيد قماط إن مصالح الدرك المكلفة بأمن الطرقات قامت بالاحتفاظ الفوري لرخصة السياقة لـ855 ألف و426 سائق لمدة 10 أيام عن طريق استعمال الرادار، و787 ألف و899 أخرى تم سحبها لمدة 48 ساعة، فيما تم تحويل 7579 رخصة سياقة إلى اللجنة مع تعليق 7887 رخصة بسبب مخالفات حوادث المرور، فيما تم تحرير 400 ألف و752 غرامة جزافية من الدرجة الأولى، يضيف محدثنا، و291 ألف و244 غرامة من الدرجة الثانية و833 ألف و317 غرامة من الدرجة الثالثة و193 ألف و795 غرامة من الدرجة الرابعة.

وفي سياق متصل، أكد قماط أنه بعد إنشاء بطاقية وطنية لأرقام التسجيل وبطاقية وطنية للمخالفات ورخص السياقة، فإن العمل سيكون آليا مستقبلا ولن تكون هناك نقاط مراقبة لتوقيف ورفع المخالفات، إذ أن المرْكبات والدرجات النارية المموّهة والمزودة بالرادارات هي التي سترسل المخالفات إلى قاعدة المعطيات مما سيقلل من حوادث المرور.

المصدر